قصة شعيب عليه السلام

غير مصنف No Comments »

بسم الله الرحمن الرحيم


وبه نستعين :


أما بعد فقد ذكر الله سبحانه وتعالى قصة شعيب النبي صلى الله عليه وسلم في غير موضع من كتابه وإرساله إلى أهل مدين , وقال في موضع آخر : ” كذب أصحاب الأيكة المرسلين ”  (سورة الشعراء 176 ) فأكثر الناس يقولون : إنهم أهل مدين ومن الناس من يجعلها قصتين .

وذكر في قصة موسى ـ عليه السلام ـ أنه ” لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما ..”  (الآية 23من سورة القصص )  إلى آخر القصة .


فموسى عليه السلام قضى أكمل الأجلين ولم يذكر عن هذا الشيخ أنه كان شعيبا , ولا أنه كان نبيا ولا عند أهل الكتابين أنه كان نبيا , ولا نُقل عن أحد من الصحابة أن هذا الشيخ الذي صاهر موسى كان شعيبا النبي , لا عن ابن عباس ولا غيره , بل المنقول عن الصحابة أنه لم يكن هو شعيب .


 قال سنيد بن داود شيخ البخاري في تفسيره بإسناده عن ابن عباس :


قال اسمه : يثرى , قال حجاج : وقال غيره : يثرون , وعن شعيب الجبائي أنه قال : اسم الجاريتين ليا وصغوره , وامرأة موسى صغوره ابنة يثرون كاهن مدين ,  والكاهن الحبر , وفي رواية عن ابن عباس أن اسمه يثرون أو يثرى.


وقال ابن جرير : اسم إحدى الجاريتين ليا , ويقال شرفا , والأخرى صغورة , وقال أيضا : وأما أبوهما فمختلف في اسمه , فقال بعضهم : اسمه يثرون , وقال ابن مسعود : الذي استأجر موسى ابن أخي شعيب يثرون , وقال أبو عبيدة : هو يثرون ابن أخي شعيب النبي صلى الله عليه وسلم .


وقال آخرون : اسمه يثرى,  وهو منقول عن ابن عباس , وقال الحسن : يقولون هو شعيب النبي , لا ولكنه سيد أهل الماء يومئذ , قال ابن جرير : وهذا لا يدرك علمه إلا بخبر عن معصوم , ولا خبر في ذلك .


وقيل : اسمه أثرون , فهذه كتب التفسير التي تروى بالأسانيد المعروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين لم يذكر فيها عن أحد أنه شعيب النبي صلى الله عليه وسلم , ولكن نقلوا بالأسانيد الثابتة عن الحسن البصري أنه قال :  يقولون إنه شعيب , وليس بشعيب ,  ولكنه سيد الماء يومئذ .


فالحسن يذكر أنه شعيب عمن لا يعرف , ويرد عليهم ذلك , ويقول : ليس هو شعيب , وإن كان الثعلبي قد ذكر أنه شعيب فلا يلتفت إلى قوله , فإنه ينقل الغث والسمين , فمن جزم بأنه شعيب النبي فقد قال ما ليس له به علم , وما لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم , ولا عن الصحابة , ولا عمن يحتج بقوله من علماء المسلمين , وخالف في ذلك ما ثبت عن ابن عباس , والحسن البصري مع مخالفته أيضا لأهل الكتابين , فإنهم متفقون على أنه ليس هو شعيب النبي , فإن ما في التوراة التي عند اليهود والإنجيل الذي عند النصارى أن اسمه يثرون , وليس لشعيب النبي عندهم ذكر في التوراة .


وقد ذكر غير واحد من العلماء أن شعيبا كان عربيا , بل قد روي عن أبي ذر مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ـ رواه أبو حاتم وغيره ـ أن شعيبا كان عربيا , وكذلك هود وصالح , وموسى كان عبرانيا فلم يكن يعرف لسانه.


وظاهر القرآن يدل على مخاطبة موسى للمرأتين وأبيهما بغير ترجمان, وإنما شبهة من ظن ذلك أنه وجد في القرآن قصة شعيب وإرساله إلى أهل مدين , ووجد في القرآن مجيء موسى إلى مدين ومصاهرته لهذا , فظن أنه هو .


 والقرآن يدل أن الله أهلك قوم شعيب بالظلة , فحينئذ لم يبق في مدين من قوم شعيب أحد , وشعيب لا يقيم بقريه ليس بها أحد , وقد ذكروا أن الأنبياء كانوا إذا هلكت أممهم ذهبوا إلى مكة فأقاموا بها إلى الموت,  كما ذكر أن قبر شعيب بمكة , وقبر هود بمكة , وكذلك غيرهما .


وموسى لما جاء إلى مدين كانت معمورة بهذا الشيخ الذي صاهره , ولم يكن هؤلاء قوم شعيب المذكورين في القرآن , بل ومن قال : إنه كان ابن أخي شعيب أو ابن عمه , لم ينقل ذلك عن ثبت , والنقل الثابت عن ابن عباس لا يعارض بمثل قول هؤلاء , وما يذكرونه في عصا موسى , وأن شعيبا أعطاه إياها , وقيل أعطاه إياها هذا الشيخ , وقيل : جبريل , وكل ذلك لا يثبت .


وعن أبي بكر ـ أظنه الهذلي ـ قال : سألت عكرمة عن عصا موسى قال هي عصا خرج بها آدم من الجنة , ثم قبضها بعد ذلك جبريل , فلقي بها موسى ليلا فدفعها إليه , وقال السدي في تفسيره المعروف :  أمر أبو المرأتين ابنته أن يأتي موسى بعصا , وكانت تلك العصا عصا استودعها ملك في صورة رجل إلى آخر القصة , استودعه إياها ملك في سورة رجل وأن حماه خاصمه , وحكما بينهما رجلا , وأن موسى أطاق حملها دون حميه , وذكر عن موسى أنه أحق بالوفاء من حميه .


ولو كان هذا هو شعيبا النبي لم ينازع موسى , ولم يندم على إعطائه إياها , ولم يحاكمه , ولم يكن موسى قبل أن ينبأ أحق بالوفاء منه , فإن شعيبا كان نبيا وموسى لم يكن نبيا , فلم يكن موسى قبل أن ينبأ أكمل من نبي , وما ذكره زيد من أنه كان يعرف أن موسى نبي إن كان ثابتا فالأحبار والرهبان كانت عندهم علامات الأنبياء , وكانوا يخبرون بأخبارهم قبل أن يبعثوا , والله سبحانه أعلم .


وأما شياع كون حمى موسى شعيبا النبي عند كثير من الناس الذين لا خبرة لهم بحقائق العلم ودلائله وطرقه السمعية والعقلية فهذا مما لا يغتر به عاقل , فإن غاية مثل ذلك أن يكون منقولا عن بعض المنتسبين إلى العلم , وقد خالفه غيره من أهل العلم , وقول العالم الذي يخالفه نظيره ليس حجة , بل يجب رد ما تنازعا فيه إلى الأدلة .


ومثال ذلك ما ذكره بعضهم أو كثير منهم من أن الرسل المذكورين في سورة يس هم من حواريي المسيح عليه السلام , وأن حبيب النجار آمن بهم وهذا أمر باطل عند أجلاء علماء المسلمين , وعند أهل الكتاب فإن الله قد أخبر عن هذه القرية التي جاءها المرسلون أنه قد أهلك أهلها , فقال تعالى : ” إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون ” الآية 29


وأنطاكية لما جاءها اثنان من الحواريين بعد رفع المسيح آمنوا بهما , وهي أول مدينة اتبعت المسيح , ولم يهلكهم الله بعد المسيح باتفاق المسلمين وأهل الكتاب , فكيف يجوز أن يقال هؤلاء هم رسل المسيح .


وأيضا فإن الذين أتوهم كانا اثنين من الحواريين , وأهل الكتاب معترفون بذلك , ولم يكن حبيب النجار موجودا حينئذ , بل هؤلاء رسل أرسلهم الله قبل المسيح , وأهلك أهل تلك القرية , وقد قيل : إنها أنطاكية , وآمن حبيب بأولئك الرسل ثم بعد هذا عمرت أنطاكية , وجاءتهم رسل المسيح بعد ذلك .


والحواريون ليسوا رسل الله عند المسلمين , بل هم رسل المسيح , كالصحابة الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسلهم إلى الملوك , ومن زعم أن هؤلاء حواريون فقد جعل للنصارى حجة لا يحسن أن يجيب عنها , وقد بسطنا ذلك في الرد على النصارى , وبينا أن الحواريين لم يكونوا رسلا , فإن النصارى يزعمون أن الحواريين رسل الله مثل إبراهيم وموسى , وقد يفضلونهم على إبراهيم وموسى , وهذا كفر عند المسلمين , وقد بينا ضلال النصارى في ذلك.


والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.

وقفات مع قصة آدم عليه السلام

غير مصنف 2 Comments »

يرد القصص في القرآن في مواضع ومناسبات ، وهذه المناسبات التي يساق القصص من أجلها هي التي تحدد مساق القصة ، والحلقة التي تعرض منها ، والصورة التي تأتي عليها ، والطريقة التي تؤدى بها ؛ تنسيقا للجو الروحي والفكري والفني الذي تعرض فيه ، وبذلك تؤدي دورها الموضوعي ، وتحقق غايتها النفسية ، وتلقي إيقاعها المطلوب .

ويحسب أناس أن هنالك تكرارا في القصص القرآني ؛ لأن القصة الواحدة قد يتكرر عرضها في سور شتى ، ولكن النظرة الفاحصة تؤكد أنه ما من قصة ، أو حلقة من قصة قد تكررت في صورة واحدة ، من ناحية القدر الذي يساق ، وطريقة الأداء في السياق ، وأنه حيثما تكررت حلقة كان هنالك جديد تؤديه ، ينفي حقيقة التكرار


ويزيغ أناس فيزعمون أن هنالك خلقا للحوادث أو تصرفا فيها ، يقصد به إلى مجرد الفن - بمعنى التزويق الذي لا يتقيد بواقع - ولكن الحق الذي يلمسه كل من ينظر في هذا القرآن ، وهو مستقيم الفطرة ، مفتوح البصيرة ، هو أن المناسبة الموضوعية هي التي تحدد القدر الذي يعرض من القصة في كل موضع ، كما تحدد طريقة العرض وخصائص الأداء .


والقرآن كتاب دعوة ، ودستور نظام ، ومنهج حياة ، لا كتاب رواية ولا تسلية ولا تاريخ ، وفي سياق الدعوة يجيء القصص المختار ، بالقدر وبالطريقة التي تناسب الجو والسياق ، وتحقق الجمال الفني الصادق ، الذي لا يعتمد على الخلق والتزويق ، ولكن يعتمد على إبداع العرض ، وقوة الحق ، وجمال الأداء .


وقصص الأنبياء في القرآن يمثل موكب الإيمان في طريقه الممتد الواصل الطويل ، ويعرض قصة الدعوة إلى الله واستجابة البشرية لها جيلا بعد جيل ؛ كما يعرض طبيعة الإيمان في نفوس هذه النخبة المختارة من البشر ، وطبيعة تصورهم للعلاقة بينهم وبين ربهم الذي خصهم بهذا الفضل العظيم . . وتتبع هذا الموكب الكريم في طريقه اللاحب يفيض على القلب رضا ونورا وشفافية ؛ ويشعره بنفاسة هذا العنصر العزيز - عنصر الإيمان - وأصالته في الوجود ، كذلك يكشف عن حقيقة التصور الإيماني ، ويميزه في الحس من سائر التصورات الدخيلة . . ومن ثم كان القصص شطرا كبيرا من كتاب الدعوة الكريم


فلنعش لحظات مع قصة البشرية الأولى وما وراءها من إيحاءات أصيلة:


الدرس الأول : استخلاف آدم في الأرض على عهد من الله وشرط .


ها نحن أولاء - بعين البصيرة في ومضات الاستشراف - في ساحة الملأ الأعلى ؛ وها نحن أولاء نسمع ونرى قصة البشرية الأولى: ” وإذ قال ربك للملائكة:إني جاعل في الأرض خليفةوإذن فهي المشيئة العليا تريد أن تسلم لهذا الكائن الجديد في الوجود ، زمام هذه الأرض ، وتطلق فيها يده ، وتكل إليه إبراز مشيئة الخالق في الإبداع والتكوين ، والتحليل والتركيب ، والتحوير والتبديل ؛ وكشف ما في هذه الأرض من قوى وطاقات ، وكنوز وخامات ، وتسخير هذا كله - بإذن الله - في المهمة الضخمة التي وكلها الله إليه .


وإذن فقد وهب هذا الكائن الجديد من الطاقات الكامنة ، والاستعدادات المذخورة كفاء ما في هذه الأرض من قوى وطاقات ، وكنوز وخامات ؛ ووهب من القوى الخفية ما يحقق المشيئة الإلهية .


وإذن فهنالك وحدة أو تناسق بين النواميس التي تحكم الأرض - وتحكم الكون كله - والنواميس التي تحكم هذا المخلوق وقواه وطاقاته ، كي لا يقع التصادم بين هذه النواميس وتلك ؛ وكي لا تتحطم طاقة الإنسان على صخرة الكون الضخمة !


وإذن فهي منزلة عظيمة ، منزلة هذا الإنسان ، في نظام الوجود على هذه الأرض الفسيحة . وهو التكريم الذي شاءه له خالقه الكريم .


هذا كله بعض إيحاء التعبير العلوي الجليل: ” إني جاعل في الأرض خليفة . . ” حين نتملاه اليوم بالحس اليقظ والبصيرة المفتوحة ، ورؤية ما تم في الأرض على يد هذا الكائن المستخلف في هذا الملك العريض ! قالوا:أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ؟ “ .


ويوحي قول الملائكة هذا بأنه كان لديهم من شواهد الحال ، أو من تجارب سابقة في الأرض ، أو من إلهام البصيرة ، ما يكشف لهم عن شيء من فطرة هذا المخلوق ، أو من مقتضيات حياته على الأرض ؛ وما يجعلهم يعرفون أو يتوقعون أنه سيفسد في الأرض ، وأنه سيسفك الدماء . . ثم هم - بفطرة الملائكة البريئة التي لا تتصور إلا الخير المطلق ، وإلا السلام الشامل - يرون التسبيح بحمد الله والتقديس له ، هو وحده الغاية المطلقة للوجود ، وهو وحده العلة الأولى للخلق . . وهو متحقق بوجودهم هم ، يسبحون بحمد الله ويقدسون له ، ويعبدونه ولا يفترون عن عبادته ! .


لقد خفيت عليهم حكمة المشيئة العليا في بناء هذه الأرض وعمارتها ، وفي تنمية الحياة وتنويعها ، وفي تحقيق إرادة الخالق وناموس الوجود في تطويرها وترقيتها وتعديلها ، على يد خليفة الله في أرضه ، هذا الذي قد يفسد أحيانا ، وقد يسفك الدماء أحيانا ، ليتم من وراء هذا الشر الجزئي الظاهر خير أكبر وأشمل ، خير النمو الدائم ، والرقي الدائم ، خير الحركة الهادمة البانية . خير المحاولة التي لا تكف ، والتطلع الذي لا يقف ، والتغيير والتطوير في هذا الملك الكبير .


عندئذ جاءهم القرار من العليم بكل شيء ، والخبير بمصائر الأمور: ” قال:إني أعلم ما لا تعلمون ، وعلم آدم الأسماء كلها ، ثم عرضهم على الملائكة ، فقال:أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ، قالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا . إنك أنت العليم الحكيم . قال:يا آدم أنبئهم بأسمائهم . فلما أنبأهم بأسمائهم ، قال:ألم أقل لكم:إني أعلم غيب السموات والأرض ، وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون


ها نحن أولاء - بعين البصيرة في ومضات الاستشراف - نشهد ما شهده الملائكة في الملأ الأعلى . . ها نحن أولاء نشهد طرفا من ذلك السر الإلهي العظيم الذي أودعه الله هذا الكائن البشري ، وهو يسلمه مقاليد الخلافة ، سر القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات ، سر القدرة على تسمية الأشخاص والأشياء بأسماء يجعلها - وهي ألفاظ منطوقة - رموزا لتلك الأشخاص والأشياء المحسوسة .


وهي قدرة ذات قيمة كبرى في حياة الإنسان على الأرض ، ندرك قيمتها حين نتصور الصعوبة الكبرى ، لو لم يوهب الإنسان القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات ، والمشقة في التفاهم والتعامل ، حين يحتاج كل فرد لكي يتفاهم مع الآخرين على شيء أن يستحضر هذا الشيء بذاته أمامهم ليتفاهموا بشأنه . . الشأن شأن نخلة فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا باستحضار جسم النخلة ! الشأن شأن جبل . فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا بالذهاب إلى الجبل ! الشأن شأن فرد من الناس فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا بتحضير هذا الفرد من الناس . . . إنها مشقة هائلة لا تتصور معها حياة ! وإن الحياة ما كانت لتمضي في طريقها لو لم يودع الله هذا الكائن القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات .


فأما الملائكة فلا حاجة لهم بهذه الخاصية ، لأنها لا ضرورة لها في وظيفتهم ، ومن ثم لم توهب لهم ، فلما علم الله آدم هذا السر ، وعرض عليهم ما عرض لم يعرفوا الأسماء ، لم يعرفوا كيف يضعون الرموز اللفظية للأشياء والشخوص . . وجهروا أمام هذا العجز بتسبيح ربهم ، والاعتراف بعجزهم ، والإقرار بحدود علمهم ، وهو ما علمهم . . وعرف آدم . . ثم كان هذا التعقيب الذي يردهم إلى إدراك حكمة العليم الحكيم: ” قال:ألم أقل لكم:إني أعلم غيب السموات والأرض ، وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ؟” .


” وإذ قلنا للملائكة:اسجدوا لآدم . فسجدوا …” إنه التكريم في أعلى صوره ، لهذا المخلوق الذي يفسد في الأرض ، ويسفك الدماء ، ولكنه وهب من الأسرار ما يرفعه على الملائكة ، لقد وهب سر المعرفة ، كما وهب سر الإرادة المستقلة التي تختار الطريق . . إن ازدواج طبيعته ، وقدرته على تحكيم إرادته في شق طريقه ، واضطلاعه بأمانة الهداية إلى الله بمحاولته الخاصة . . إن هذا كله بعض أسرار تكريمه .


ولقد سجد الملائكة امتثالا للأمر العلوي الجليل . . إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين وهنا تتبدى خليقة الشر مجسمة:عصيان الجليل سبحانه ! والاستكبار عن معرفة الفضل لأهله ، والعزة بالإثم ، والاستغلاق عن الفهم .


ويوحي السياق أن إبليس لم يكن من جنس الملائكة ، إنما كان معهم . فلو كان منهم ما عصى . وصفتهم الأولى أنهم “لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . .” والاستثناء هنا لا يدل على أنه من جنسهم ، فكونه معهم يجيز هذا الاستثناء ، كما تقول:جاء بنو فلان إلا أحمد ، وليس منهم إنما هو عشيرهم ، وإبليس من الجن بنص القرآن ، والله خلق الجان من مارج من نار . وهذا يقطع بأنه ليس من الملائكة .


والآن . لقد انكشف ميدان المعركة الخالدة ، المعركة بين خليقة الشر في إبليس ، وخليفة الله في الأرض ، المعركة الخالدة في ضمير الإنسان ، المعركة التي ينتصر فيها الخير بمقدار ما يستعصم الإنسان بإرادته وعهده مع ربه ، وينتصر فيها الشر بمقدار ما يستسلم الإنسان لشهوته ، ويبعد عن ربه: ” وقلنا:يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ، وكلا منها رغدا حيث شئتما ، ولا تقربا هذه الشجرة ، فتكونا من الظالمين .


لقد أبيحت لهما كل ثمار الجنة . . إلا شجرة . . شجرة واحدة ، ربما كانت ترمز للمحظور الذي لا بد منه في حياة الأرض . فبغير محظور لا تنبت الإرادة ، ولا يتميز الإنسان المريد من الحيوان المسوق ، ولا يمتحن صبر الإنسان على الوفاء بالعهد والتقيد بالشرط ، فالإرادة هي مفرق الطريق ، والذين يستمتعون بلا إرادة هم من عالم البهيمة ، ولو بدوا في شكل الآدميين ! فأزلهما الشيطان عنها ، فأخرجهما مما كانا فيه” .


ويا للتعبير المصور: أزلهما . . إنه لفظ يرسم صورة الحركة التي يعبر عنها . وإنك لتكاد تلمح الشيطان وهو يزحزحهما عن الجنة ، ويدفع بأقدامهما فتزل وتهوي ! عندئذ تمت التجربة:نسي آدم عهده ، وضعف أمام الغواية ، وعندئذ حقت كلمة الله ، وصرح قضاؤه: “وقلنا:اهبطوا . . بعضكم لبعض عدو ، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين . وكان هذا إيذانا بانطلاق المعركة في مجالها المقدر لها ، بين الشيطان والإنسان إلى آخر الزمان .


ونهض آدم من عثرته بما ركب في فطرته ، وأدركته رحمة ربه التي تدركه دائما عندما يثوب إليها ويلوذ بهافتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ، إنه هو التواب الرحيموتمت كلمة الله الأخيرة ، وعهده الدائم مع آدم وذريته ، عهد الاستخلاف في هذه الأرض ، وشرط الفلاح فيها أو البوار ” قلنا:اهبطوا منها جميعا ، فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون “.


وانتقلت المعركة الخالدة إلى ميدانها الأصيل ، وانطلقت من عقالها ما تهدأ لحظة وما تفتر ، وعرف الإنسان في فجر البشرية كيف ينتصر إذا شاء الانتصار ، وكيف ينكسر إذا اختار لنفسه الخسار . . .


دروس واستنباطات من قصة آدم :


وبعد فلا بد من عودة إلى مطالع القصة . قصة البشرية الأولى ، لقد قال الله تعالى للملائكة: “إني جاعل في الأرض خليفة . .” وإذن فآدم مخلوق لهذه الأرض منذ اللحظة الأولى ، ففيم إذن كانت تلك الشجرة المحرمة ؟ وفيم إذن كان بلاء آدم ؟ وفيم إذن كان الهبوط إلى الأرض ، وهو مخلوق لهذه الأرض منذ اللحظة الأولى ؟


لعلني ألمح أن هذه التجربة كانت تربية لهذا الخليفة وإعدادا ، كانت إيقاظا للقوى المذخورة في كيانه ، كانت تدريبا له على تلقي الغواية ، وتذوق العاقبة ، وتجرع الندامة ، ومعرفة العدو ، والالتجاء بعد ذلك إلى الملاذ الأمين .


إن قصة الشجرة المحرمة ، ووسوسة الشيطان باللذة ، ونسيان العهد بالمعصية ، والصحوة من بعد السكرة ، والندم وطلب المغفرة . . إنها هي هي تجربة البشرية المتجددة المكررة ! .


لقد اقتضت رحمة الله بهذا المخلوق أن يهبط إلى مقر خلافته ، مزودا بهذه التجربة التي سيتعرض لمثلها طويلا ، استعدادا للمعركة الدائبة ، وموعظة وتحذيرا . .


وبعد . . مرة أخرى . . فأين كان هذا الذي كان ؟ وما الجنة التي عاش فيها آدم وزوجه حينا من الزمان ؟ ومن هم الملائكة ؟ ومن هو إبليس ؟ . . كيف قال الله تعالى لهم ؟ وكيف أجابوه ؟ . . .


هذا وأمثاله في القرآن الكريم غيب من الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه ؛ وعلم بحكمته أن لا جدوى للبشر في معرفة كنهه وطبيعته ، فلم يهب لهم القدرة على إدراكه والإحاطة به ، بالأداة التي وهبهم إياها لخلافة الأرض ، وليس من مستلزمات الخلافة أن نطلع على هذا الغيب ، وبقدر ما سخر الله للإنسان من النواميس الكونية وعرفه بأسرارها ، بقدر ما حجب عنه أسرار الغيب ، فيما لا جدوى له في معرفته .


وما يزال الإنسان مثلا على الرغم من كل ما فتح له من الأسرار الكونية يجهل ما وراء اللحظة الحاضرة جهلا مطلقا ، ولا يملك بأي أداة من أدوات المعرفة المتاحة له أن يعرف ماذا سيحدث له بعد لحظة ، وهل النفس الذي خرج من فمه عائد أم هو آخر أنفاسه ؟ وهذا مثل من الغيب المحجوب عن البشر ؛ لأنه لا يدخل في مقتضيات الخلافة ، بل ربما كان معوقا لها لو كشف للإنسان عنه ! وهنالك ألوان من مثل هذه الأسرار المحجوبة عن الإنسان ، في طي الغيب الذي لا يعلمه إلا الله .


ومن ثم لم يعد للعقل البشري أن يخوض فيه ، لأنه لا يملك الوسيلة للوصول إلى شيء من أمره ، وكل جهد يبذل في هذه المحاولة هو جهد ضائع ، ذاهب سدى ، بلا ثمرة ولا جدوى.


وإذا كان العقل البشري لم يوهب الوسيلة للاطلاع على هذا الغيب المحجوب ؛ فليس سبيله إذن أن يتبجح فينكر . . فالإنكار حكم يحتاج إلى المعرفة ، والمعرفة هنا ليست من طبيعة العقل ، وليست في طوق وسائله ، ولا هي ضرورية له في وظيفته !


إن الاستسلام للوهم والخرافة شديد الضرر بالغ الخطورة ، ولكن أضر منه وأخطر التنكر للمجهول كله وإنكاره ، واستبعاد الغيب لمجرد عدم القدرة على الإحاطة به . . إنها تكون نكسة إلى عالم الحيوان الذي يعيش في المحسوس وحده ، ولا ينفذ من أسواره إلى الوجود الطليق .


فلندع هذا الغيب إذن لصاحبه ، وحسبنا ما يقص لنا عنه ، بالقدر الذي يصلح لنا في حياتنا ، ويصلح سرائرنا ومعاشنا ، ولنأخذ من القصة ما تشير إليه من حقائق كونية وإنسانية ، ومن تصور للوجود وارتباطاته ، ومن إيحاء بطبيعة الإنسان وقيمه وموازينه . . فذلك وحده أنفع للبشرية وأهدى .


وفي اختصار يناسب ظلال القرآن سنحاول أن نمر بهذه الإيحاءات والتصورات والحقائق مرورا مجملا سريعا .


إن أبرز إيحاءات قصة آدم - كما وردت في هذا الموضع - هو القيمة الكبرى التي يعطيها التصور الإسلامي للإنسان ولدوره في الأرض ، ولمكانه في نظام الوجود ، وللقيم التي يوزن بها ، ثم لحقيقة ارتباطه بعهد الله ، وحقيقة هذا العهد الذي قامت خلافته على أساسه . .


وتتبدى تلك القيمة الكبرى التي يعطيها التصور الإسلامي للإنسان في الإعلان العلوي الجليل في الملأ الأعلى الكريم ، أنه مخلوق ليكون خليفة في الأرض ؛ كما تتبدى في أمر الملائكة بالسجود له، وفي طرد إبليس الذي استكبر وأبى ، وفي رعاية الله له أولا وأخيرا .


ومن هذه النظرة للإنسان تنبثق جملة اعتبارات ذات قيمة كبيرة في عالم التصور ، وفي عالم الواقع على السواء .


وأول اعتبار من هذه الاعتبارات هو أن الإنسان سيد هذه الأرض ، ومن أجله خلق كل شيء فيها - كما تقدم ذلك نصا - فهو إذن أعز وأكرم وأغلى من كل شيء مادي ، ومن كل قيمة مادية في هذه الأرض جميعا ، ولا يجوز إذن أن يستعبد أو يستذل لقاء توفير قيمة مادية أو شيء مادي . . لا يجوز أن يعتدي على أي مقوم من مقومات إنسانيته الكريمة ، ولا أن تهدر أية قيمة من قيمه لقاء تحقيق أي كسب مادي ، أو إنتاج أي شيء مادي ، أو تكثير أي عنصر مادي . . فهذه الماديات كلها مخلوقة - أو مصنوعة - من أجله ، من أجل تحقيق إنسانيته ، من أجل تقرير وجوده الإنساني ، فلا يجوز إذن أن يكون ثمنها هو سلب قيمة من قيمه الإنسانية ، أو نقص مقوم من مقومات كرامته .


والاعتبار الثاني هو أن دور الإنسان في الأرض هو الدور الأول ، فهو الذي يغير ويبدل في أشكالها وفي ارتباطاتها ؛ وهو الذي يقود اتجاهاتها ورحلاتها . وليست وسائل الإنتاج، ولا توزيع الإنتاج ، هي التي تقود الإنسان وراءها ذليلا سلبيا كما تصوره المذاهب المادية التي تحقر من دور الإنسان وتصغر ، بقدر ما تعظم في دور الآلة وتكبر ! .


إن النظرة القرآنية تجعل هذا الإنسان بخلافته في الأرض ، عاملا مهما في نظام الكون ، ملحوظا في هذا النظام ، فخلافته في الأرض تتعلق بارتباطات شتى مع السموات ، ومع الرياح ، ومع الأمطار ، ومع الشموس والكواكب . . وكلها ملحوظ في تصميمها وهندستها إمكان قيام الحياة على الأرض ، وإمكان قيام هذا الإنسان بالخلافة . . فأين هذا المكان الملحوظ من ذلك الدور الذليل الصغير الذي تخصصه له المذاهب المادية ، ولا تسمح له أن يتعداه ؟ !


وما من شك أن كلا من نظرة الإسلام هذه ونظرة المادية للإنسان تؤثر في طبيعة النظام الذي تقيمه هذه وتلك للإنسان ؛ وطبيعة احترام المقومات الإنسانية أو إهدارها ؛ وطبيعة تكريم هذا الإنسان أو تحقيره . . وليس ما نراه في العالم المادي من إهدار كل حريات الإنسان وحرماته ومقوماته في سبيل توفير الإنتاج المادي وتكثيره إلا أثرا من آثار تلك النظرة إلى حقيقة الإنسان ، وحقيقة دوره في هذه الأرض ! .


كذلك ينشأ عن نظرة الإسلام الرفيعة إلى حقيقة الإنسان ووظيفته إعلاء القيم الأدبية في وزنه وتقديره ، وإعلاء قيمة الفضائل الخلقية ، وتكبير قيم الإيمان والصلاح والإخلاص في حياته ، فهذه هي القيم التي يقوم عليها عهد استخلافه: ” فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . . .” وهذه القيم أعلى وأكرم من جميع القيم المادية - هذا مع إن من مفهوم الخلافة تحقيق هذه القيم المادية ، ولكن بحيث لا تصبح هي الأصل ، ولا تطغى على تلك القيم العليا - ولهذا وزنه في توجيه القلب البشري إلى الطهارة والارتفاع والنظافة في حياته ، بخلاف ما توحيه المذاهب المادية من استهزاء بكل القيم الروحية ، وإهدار لكل القيم الأدبية ، في سبيل الاهتمام المجرد بالإنتاج والسلع ومطالب البطون كالحيوان ! .


وفي التصور الإسلامي إعلاء من شأن الإرادة في الإنسان فهي مناط العهد مع الله ، وهي مناط التكليف والجزاء . . إنه يملك الارتفاع على مقام الملائكة بحفظ عهده مع ربه عن طريق تحكيم إرادته ، وعدم الخضوع لشهواته ، والاستعلاء على الغواية التي توجه إليه . بينما يملك أن يشقي نفسه ويهبط من عليائه ، بتغليب الشهوة على الإرادة ، والغواية على الهداية ، ونسيان العهد الذي يرفعه إلى مولاه ، وفي هذا مظهر من مظاهر التكريم لا شك فيه ، يضاف إلى عناصر التكريم الأخرى ، كما أن فيه تذكيرا دائما بمفرق الطريق بين السعادة والشقاوة ، والرفعة والهبوط ، ومقام الإنسان المريد ودرك الحيوان المسوق !


وفي أحداث المعركة التي تصورها القصة بين الإنسان والشيطان ذكر دائم بطبيعة المعركة ، إنها بين عهد الله وغواية الشيطان بين الإيمان والكفر ، بين الحق والباطل ، بين الهدى والضلال . . والإنسان هو نفسه ميدان المعركة ، وهو نفسه الكاسب أو الخاسر فيها ، وفي هذا إيحاء دائم له باليقظة ؛ وتوجيه دائم له بأنه جندي في ميدان ؛ وأنه هو صاحب الغنيمة أو السلب في هذا الميدان ! .


وأخيرا تجيء فكرة الإسلام عن الخطيئة والتوبة . . إن الخطيئة فردية والتوبة فردية ، في تصور واضح بسيط لا تعقيد فيه ولا غموض . . ليست هنالك خطيئة مفروضة على الإنسان قبل مولده - كما تقول نظرية الكنيسة - وليس هنالك تكفير لاهوتي ، كالذي تقول الكنيسة إن عيسى - عليه السلام - [ ابن الله بزعمهم ] قام به بصلبه ، تخليصا لبني آدم من خطيئة آدم ! . . كلا ! خطيئة آدم كانت خطيئته الشخصية ، والخلاص منها كان بالتوبة المباشرة في يسر وبساطة ، وخطيئة كل ولد من أولاده خطيئة كذلك شخصية ، والطريق مفتوح للتوبة في يسر وبساطة . . تصور مريح صريح ، يحمل كل إنسان وزره ، ويوحي إلى كل إنسان بالجهد والمحاولة وعدم اليأس والقنوط . . إن الله تواب رحيم . .


هذا طرف من إيحاءات قصة آدم - في هذا الموضع - نكتفي به .. . وهو وحده ثروة من الحقائق والتصورات القويمة ؛ وثروة من الإيحاءات والتوجيهات الكريمة ؛ وثروة من الأسس التي يقوم عليها تصور اجتماعي وأوضاع اجتماعية ، يحكمها الخلق والخير والفضيلة ، ومن هذا الطرف نستطيع أن ندرك أهمية القصص القرآني في تركيز قواعد التصور الإسلامي ؛ وإيضاح القيم التي يرتكز عليها ، وهي القيم التي تليق بعالم صادر عن الله ، متجه إلى الله ، صائر إلى الله في نهاية المطاف . . عقد الاستخلاف فيه قائم على تلقي الهدى من الله ، والتقيد بمنهجه في الحياة ، ومفرق الطريق فيه أن يسمع الإنسان ويطيع لما يتلقاه من الله ، أو أن يسمع الإنسان ويطيع لما يمليه عليه الشيطان ، وليس هناك طريق ثالث . . إما الله وإما الشيطان ، إما الهدى وإما الضلال ، إما الحق وإما الباطل ، إما الفلاح وإما الخسران . . وهذه الحقيقة هي التي يعبر عنها القرآن كله ، بوصفها الحقيقة الأولى ، التي تقوم عليها سائر التصورات ، وسائر الأوضاع في عالم الإنسان

القائل: المغفور له باذن الله - سيد قطب فى ظلاله المجل

تم التنبيه من قبل السيد سنو المحترم 

نشأة الخليقة بين القرآن والمكتشفات الحديثة

غير مصنف No Comments »

نشأة الخليقة بين القرآن والمكتشفات الحديثة

بقلم  د.أحمد عبد الحميد عبد الحق

 

                                                  “إن هذا القرآن يصف الكون من أعلى نقطة في الوجود

                                                          فكل شيء أمامه مكشوف “  يوشيدي دكوزاي

 

حقب كثيرة تلك التي مرت على نشاة الكون ووجوده , إنها تقدر ببلايين السنين التي لم يستطع العلماء لها إحصاء إلى الآن (1) ومع ذلك فإن ما سجل في القرآن الكريم عن كيفية النشأة  يبدو وكأنه كتب الآن بعد غزو الفضاء , وإطلاق المراكب الفضائية التي لا تفتأ تصور ما في الكون من عجائب كل حين , يقول الله سبحانه وتعالى ” ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ” (2) (فصلت : 9 – 11 ).

 

فهذه الآية تشير إلى أن الكون الذي نعيش فيه كان في بدايته عبارة عن ذرات صغيرة أو غازات تعلق بها مواد صلبة ساخنة , تشبه الدخان المتصاعد , كما قال صاحب تفسير فتح القدير  (3) : “وهي دخان ” الدخان ما ارتفع من لهب النار , وهذا ما أثبته العلم الحديث بعد طفرته غير المسبوقة يقول ا /د يوشيدي دكوزاي مدير المراصد بطوكيو باليابان : لقد تضافرت الأدلة على أن أصل هذا الكون من دخان برد وتجمد , وأن بعض العلماء يتكلمون عن هذا الدخان بأنه ضباب , ولكن هذا الوصف غير صحيح , لأنه لا يتناسب مع السخونة المصاحبة له  (4).

 

ثم ذكر أن النجوم المضيئة الآن كانت قبل ذلك دخان , وكانت مظلمة , ثم صارت شيئا فشيئا مرئية , وهذا يفسر ما جاء في قوله تعالى :”أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها” أي أزال ظلمتها.( سورة النازعات من 28 ـ 30).

 

وقد دفعه هذا الاتفاق بين ما ورد في القرآن الكريم بشأن نشأة الكون , وبين ما لاحظه العلماء بعد الاكتشافات العصرية إلى أن يقول :  ” إن هذا القرآن يصف الكون من أعلى نقطة في الوجود , فكل شيء أمامه مكشوف , إن هذا القرآن يرى كل شيء , فليس هناك شيء خفي عليه , .. إننا نحن العلماء نركز على جزء صغير في دراستنا للكون, أما من يقرأ القرآن فإنه يرى صورة واسعة لهذا الكون .

 

ومن العجب أن العلم الحديث أثبت أن الكون دائم التمدد , وأنه مع هذا التمدد يفقد حرارته شيئا فشيئا , وهو الوصف المناسب لحركة الدخان الذي يظل في اتساع بعد صدوره حتى يزول , كما أن درجة حرارته تتناقص شيئا فشيئا (5).  

 

ويقول الله سبحانه وتعالى : “أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون “(الأنبياء : 30 ) وقد حسب العلماء القدامى أن فتق في الآية بمعنى فصل , فعلق الطبري في تفسيره على هذه الآية بقوله : أولم ينظر هؤلاء الذين كفروا بالله بأبصار قلوبهم فيروا بها , ويعلموا أن السموات والأرض كانتا ملتصقتين ففصل الله بينهما  (6)  .

 

وقال محمد بن إسحق : كان أول ما خلق الله تبارك وتعالى النور والظلمة , ثم ميز بينهما فجعل الظلمة ليلا أسود مظلما , وجعل النور نهارا مضيئا مبصرا , ثم سمك السموات السبع من دخان … وقد أغطش في السماء الدنيا ليلها , وأخرج ضحاها,  فجرى فيها الليل والنهار , وليس فيها شمس ولا قمر ولا نجوم , ثم دحا الأرض , وأرساها بالجبال , وقدر فيها الأقوات , وبث فيها ما أراد من الخلق , ففرغ من الأرض , وما قدر فيها من أقواتها في أربعة أيام (7).

 

وظل هذا الفهم أقرب إلى أذهان الناس حتى أرسلت وكالة ناسا سنة 1989م قمرا صناعيا إلى الفضاء الخارجي باسم كوبي لدراسة موجات خاصة لها علاقة بخلق الكون , فوُجد أن ثمة شعاعا يملأ الكون كله , موجود بالليل والنهار , وفي كل الاتجاهات , وأن هذا الإشعاع باقي من إنفجار عظيم حدث في الكون عند بد الخلق .

 

وهذا الإنفجار ـ والله أعلم ـ هو المقصود بالفتق في قوله سبحانه  ” ففتقناهما ” لأنه يتلائم مع وصف الدخان الذي ينجم عن الانفجار.

 

وقد ذُكر أن هذا الإشعاع هو أول وأبعد وأقدم شعاع يمكن لأي تلسكوب التقاطه , ومن المستحيل أن نرى قبله أي شيء ؛ لأن الكون قبل ذلك كان قاتما , وهذا ما أشارت إليه الآية التي ذكرت من قبل ” أغطش ليلها ” كما يفهم من قوله تعالى :” فقضاهن سبع سموات في يومين , وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ” ( فصلت : 9) ، ومن قوله تعالى : ” وجعل الظلمات والنور ” حيث ذكر الظلمات أولا مما يدل على سبقها الزمني .

 

وقد استطاعت كوبي التقاط صورا للكون منذ بدايته الأولى , وبالتحديد عندما كان عمره ثلاثمائة ألف سنة , فجاءت الصور عبارة عن فضاء مظلم به بقع زرقاء , لها طاقة أعلى أي أسخن , وحمراء لها طاقة أقل أي أقل حرارة , كما هي موضحة بالصورة , وصدق الله القائل : ” سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق “ 

هل يمكن اكتشاف سد يأجوج ومأجوج؟

غير مصنف No Comments »

 هل يمكن اكتشاف سد يأجوج ومأجوج؟

بقلم / أ.د.عبد الله قادري الأهدل

هل يمكن اكتشاف سد يأجوج ومأجوج؟

 نعم، يمكن اكتشافه عقلا،وعادة،وشرعا.

أما عقلا: فلا مانع مطلقا من السير في أرض الله والوصول إلى كل بقعة فيها بالوسائل المتاحة.

وأما عادة: فقد اعتاد الناس الأسفار والانتقال من مكان إلى آخر في الأرض،بَعُدَ أو قربَ، وفي تلك الأسفار تمت اكتشافات كثيرة لما كان مجهولا من الأرض، ومنها قارات كبرى ، كأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، وأستراليا ، كما اكتشفت أماكن دقيقة وصغيرة في البحار والأنهار والجبال والشعاب.

واستخدم الناس لتلك الاكتشافات كل الوسائل المتاحة لهم ، من المشي على الأقدام إلى الركوب على الدواب بأنواعها ، واستخدام آلات النقل البرية ، من العربات التي تجرها الدواب كالخيول، إلى الدراجة العادية،فالنارية،فالسيارة،فالمراكب القادرة على السير في المسالك الوعرة-جبلية أو مستنقعات وأوحال أو غيرها-كالدبابات والمصفحات..

كما استخدموا وسائل النقل البحرية والنهرية الصغيرة والكبيرة السريعة والبطيئة.

وجاء دور الوسائل الجوية من المناطيد إلى الحوامات الصغيرة والكبيرة إلى الطائرات العملاقة،عسكرية ومدنية.

ثم المراكب الفضائية ، وما زُوِّدت بها تلك المراكب كلها من آلات تصوير مدهشة ، تصور أدق التفاصيل في أصغر الكائنات الممكن تصويرها.

هذه الوسائل وغيرها جرت العادة باستخدامها لاكتشاف غالب ما يظهر في المعمورة ، ومعنى هذا أن اكتشاف سد يأجوج ومأجوج ممكن عادة ، ولا يوجد مانع عادي يمنع من اكتشافه.

وأما شرعا: فلا يوجد نص شرعي-لا من القرآن ولا من السنة-يدل على كونه من الأمور الغيبية التي لا يطلع عليها الناس ، بل يستفاد من نصوص الشرع عكس ذلك ، وهو معرفة الناس للسد ومعرفتهم ليأجوج ومأجوج ، ومن الأدلة على ذلك ما يأتي:

الدليل الأول: أن قبيلتي يأجوج ومأجوج كانتا معروفتين للقبائل التي شكت من اعتدائهما عليها إلى ذي القرنين” قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض…” ( الكهف:94 ) ..

الدليل الثاني : أن ذا القرنين بلغ المكان الذي كان يأجوج ومأجوج يعيثون فيه فسادا ،وهو الذي بنى السد بإعانة أهل البلد المتضررين: ” فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما” ( الكهف:95 ) …

الدليل الثالث: أن خروج يأجوج ومأجوج من أمارات الساعة وعلاماتها ، وأمارات الساعة تظهر للناس، وخروجهم يكون من ذلك السد ، فلا بد أن يرى الناس خروجهم ، والمكان الذي يخرجون منه ، وأخبر الله تعالى أن يأجوج ومأجوج ستُفتَح - أي يُفتَحُ السد الذي كان يحول بينهم وبين الخروج - كما قال تعالى: “حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق.. ( الأنبياء :96، 97 ) وفتحه من أمارات الساعة ، وأمارات الساعة ليست كالساعة التي لا يعلمها إلا الله ، ولو كانت لا تظهر للناس ولا يطلعون عليها لما صح أن تكون أمارات.

الدليل الرابع: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا قبل موته أن رَدْمَ يأجوج ومأجوج-الذي قال الله تعالى فيه بعد أن بناه ذو القرنين: ” فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا ” ( الكهف:97 ) قد نُقِب وفُتِحَ شيء يسير منه ، وهذا الفتح اليسير هو بداية ما أخبر الله به في سورة الأنبياء أنه سيحدث، ففي حديث زينب بنت جَحش،رضي الله عنها،أن النبي صلى الله عليه وسلم،دخل عليها فَزِعا يقول:” لا إله إلا الله ! ويل للعرب من شر قد اقترب،فُتِحَ اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثلُ هذه ” وحَلَّقَ بإصْبَعِه الإبهام والتي تليها. قالت زينب ابنة جحش : فقلت : يا رسول الله ! أنهلِك وفينا الصالحون؟ قال: “نعم إذا كَثُر الخَبَث”.

وهو دليل على أن يأجوج ومأجوج قد استطاعوا أن يحدثوا في السد من النَّقْبِ ما يتمكنون به من الخروج منه.

من هم يأجوج ومأجوج؟ (4) :

إن يأجوج ومأجوج قبيلتان من بني آدم ، وهم من ذرية يافث بن نوح عليه السلام ، كانوا متوحشتين احترفوا الإغارة والسلب والنهب والقتل والظلم من قديم الزمان ، وكانوا يقطنون الجزء الشمالي من قارة آسيا  ، شمالا ، وغالب كتب التاريخ تشير إلى أنهم منغوليون تتريون ، وأن موطنهم يمتد من التبت والصين جنوبا إلى المحيط المتجمد الشمالي ، وأنهم عاصروا قورش الذي بنى سد دانيال.

كما ذُكِرَ أنهم مروا في إفسادهم في الأرض بسبعة أدوار ، كانت بدايتها قبل (5000آلاف سنة) وآخرها : هجوم جنكزخان على الحضارة الإسلامية ، فهم أسلافه.

وقد ذكر بعض المؤرخين حكايات غريبة عن يأجوج ومأجوج ، والصحيح أنهم كبقية بني آدم في الطول والقصر وغير ذلك.

وقد بنى الصينيون سورهم العظيم لحماية أنفسهم من هجمات القبائل المغولية التي لا زالت تقطن في شمال الصين وشمال غربه إلى الآن ، وقد احتلوا الصين فترة من الزمن كما هو معروف.

وهذا يدل على أن يأجوج ومأجوج ليسوا هم الصينيين ، ولكن ذلك لا ينافي تكاثر قبيلتي يأجوج ومأجوج واستيلائهما على الصين وغيرها من البلدان المجاورة في آخر الزمان ، ويكون خروجهم جميعا وفسادهم الأخير في الأرض عند نزول عيسى عليه السلام ،  ويكون الصينيون وغيرهم معهم ، ويكون إطلاق يأجوج ومأجوج على الجميع من باب التغليب ، إما لكثرتهم وغلبتهم على سواهم ، وإما لكونهم القادة عندئذ ، وهذا أسلوب معروف في اللغة العربية ، هذا مع العلم أن كثيرا من التتر والمنغول-الذين هم أصل يأجوج ومأجوج-أصبحوا من قوميات الصين الآن.

من هم الذين شكوا إلى ذي القرنين من إفساد يأجوج ومأجوج ، وطلبوا منه بناء السد لحمايتهم منهم؟ :

أما القبائل التي استنجدت بذي القرنين لحمايتهم من يأجوج ومأجوج فقد أشار القرآن الكريم على أنهم في جهة مشرق الشمس ، وأنهم ضعفاء متأخرون في الحضارة ، إذ لم يكن لهم من البنيان ما يسترهم من وهج الشمس ، وأنهم لا يكادون يفقهون ما يقال لهم-ولكن الله هيأ لذي القرنين من الأسباب ما يجعلهم يفقهون عنه ويفقه عنهم-.

ويرى بعض المؤرخين أنهم كانوا يقطنون في شمال أذربيجان وجورجيا وأرمينيا…ويطلق عليهم اليونانيون اسم:(كولش)

على خطى هاجر عليها السلام

غير مصنف No Comments »

على خطى هاجر عليها السلام

بقلم / منال المغربي

قضى الله تبارك وتعالى بجعل نُسك من مناسك الحج والعمرة - وهو السعي بين الصفا والمروة – على خطى امرأة ؛ إكراماً وتعظيماً لشأنها ، وإظهاراً لدورها ، وثناءً على جهدها الذي بذلته خدمةً لدينها؛ وهي هاجر ـ عليها السلام ـ التي عُرِفَتْ بأمِّ العَرَب العدنانيين ، وبأم الذبيح (إسماعيل عليه السلام).

كانت هاجر ـ عليها السلام ـ جارية مصرية وَهَبَهَا ملكُ مِصرَ إلى السيدة سارّة عليها السلام، وبدورها وهبتها إلى إبراهيم عليه السلام ليتزوجها، عسى الله تعالى أن يرزقه منها ولدا يشاركه مسؤولية الدعوة إلى الله تعالى ، لاسيما بعد أن طعنت سارّة في السن، ولم تنجب، وعندما وضعت هاجر وليدها أخذها إبراهيم إلى صحراء مكة لحكمة يريدها الله تعالى، وفي تلك البقعة المقدسة بدأت فصول قصتها التي نستشف من خلالها ملامح من شخصيتها ، ميّزتها عن غيرها من نساء العالمين؛ منها:

1- يقين راسخ بالله تعالى وتوكّل عليه: ذكرتْ كتب التفاسير أنّه حينما أخذ إبراهيم هاجر ورضيعها عليهم السلام إلى مكّة ، وليس فيها يومئذٍ أحد، وليس بها ماء، وضع عندهما جِراباً فيه تمر ، وسِقاء فيه ماء، وعندما همّ بالانصراف قامت إليه هاجر ، وتعلّقت بثيابه وقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتدعنا ههنا ، وليس معنا ما يكفينا؟ وفي رواية أخرى: أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به إنس ولا شيء؟ فلم يُجبها، فلما ألحّت عليه وهو لا يجيبها، قالت له: الله أمرك بهذا؟؛ فقال: نعم، فقالت: إذن لا يضيِّعنا.

2- القدرة على التكيف مع الظروف المستجدّة؛ محطات كثيرة من حياة هاجر عليها السلام أكّدت تمتعها بهذه الصفة؛ فلقد كانت جارية لفرعون أو ملك مصر ، أي أنّها كانت ترفل بنعيم القصور ، ومعتادة على هذه الأجواء ، خصوصاً وأنّ مصر في ذلك الوقت كانت بلد النماء والمال والحركة، وبعد أن أهداها الفرعون لسارّة عليها السلام انتقلت برفقتها وزوجها إبراهيم عليهم السلام إلى بلاد الشام ذات الطبيعة المعتدلة ، ومعهم أنعام وعبيد ومال جزيل.

وبأمرٍ من الله عز وجل اضطُرت للسكن في صحراء الجزيرة العربية ، حيث طبيعة وبيئة مختلفة وحدها هناك ، بلا أنيس ولا جليس ولا طعام أو شراب ، بعيدة عن أجواء المدنية التي اعتادت عليها.

 3- شجاعة تقهر المخاوف ، ظهرت في مواجهتها خوف الوحدة والوحشة(من خلال السماح لإحدى القبائل بمجاورتها) وخطر الهلاك من الجوع والعطش (بالسعي والبحث عن الماء والكلأ) يقول ابن كثير في كتابه))قصص الأنبياء)): “إنه لما نفذ ما في السِّقاء عَطِشت هاجر، وعَطِش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي سعت سعي الإنسان المجهود، ثم أتت المروة فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات حتى أنبع الله تعالى لهاجر وابنها الماء ، بواسطة الملك الذي ضرب موضع زمزم بعَقِبه – جناحه- حتى ظهر الماء ، ثمّ قال لها: لا تخافوا الضَّيعة، فإنّ ههنا بيت الله ، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإنّ الله لا يضيِّع أهله” .

 ولا ننسى مواجهتها العوامل الطبيعية لصحراء مترامية الأطراف ، تموج بكل ما لا يخطر على بال إنسان من حيوانات مفترسة ، وحشرات ضارّة ، وعوامل جوّية ، وبيئية مختلفة كل ذلك بالصبر والتحمّل ، وبثبات نادر قلّ نظيره.

4- القدرة على إدارة الأزمات وتوظيفها لصالحها ، ويتجلّى هذا الأمر بالنقطة السابقة التي تمّ ذكرها ، وأيضاً في حادثة تفجّر ماء زمزم؛ فبعد أن شربت منه هاجر ، وأرضعت ولدها حتى ارتويا ، تضيف كتب التفسير أنّ رفقة من جُرهم ، وهي قبيلة من قبائل العرب نزلوا في أسفل مكّة، فرأوا طائراً ، فقالوا: ” إن هذا الطائر ليدور على الماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء”.

فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم، ولكن لا حقّ لكم في الماء، فقالوا: نعم. وبذلك استطاعت هاجر أن تضمن لنفسها ولولدها مصدر رزق تعتاش منه ، فنزلوا وأرسلوا أهليهم فنزلوا معهم.

5- الصبر على شظف العيش ومرارته وعوامل الطبيعة ، وعلى غياب الزوج وتربية الولد.

6- فن صناعة الرجال؛ فهاجر ـ عليها السلام ـ رغم الظروف الصعبة التي نشأ بها ابنها إسماعيل ـ عليه السلام ـ من غياب الأب، وكون إسماعيل الولد الوحيد لأمّه إلا أنّ صحبتها وتربيتها له لم تفسده، بل على العكس كانت على قدر المسؤولية التي أُنيطت بها؛ فلقد تخرّج إسماعيل من بين يديها رجلاً مؤهلاً لحمل رسالة النبوة.

ونجاح هاجر ـ عليها السلام ـ في أدائها هذه المهمّة يتجلّى بـ:

ـ عدم حقد إسماعيل على أبيه لتركه وأمّه في صحراء قاحلة، وتفهّمه لهذا الغياب على أنه التزاماً لأمر الله تعالى.

- طاعته له في محنة الذبح ومعاونته بعد ذلك في بناء البيت العتيق .

- سعي القبيلة لتزويجه بإحدى بناتهم بعدما – أعجبهم حين شب - ولو لم يكن على خلق لما زوّجوه؛ لذلك سعي هاجر بين الصفا والمروة عبر سبعة أشواط ، وتخليد الله سبحانه وتعالى لهذا الحدث بجعله ركناً من أركان الحج الأساسية ما هو إلا رمز وإشارة على أنّ تربية الأولاد وإعدادهم ؛ ليكونوا رجال المستقبل ليست بالأمر اليسير ، بل تستلزم بذل الجهد والتعب والصبر.

7- التضحية في سبيل الله ونصرة دينه ، سواء التضحية بالنفس (ما عانته هاجر أكبر دليل على ذلك) والزوج (بتحمّل غيابه) والولد (حيث زرعت هذه القيمة أيضاً بولدها، نُلاحظ ذلك بسرعة استجابته لطلب والده ( يا أبتِ افعل ما تؤمر)، وما الأُضحية إلا تكريساً لهذا المفهوم وانعكاساً له ، والله تعالى أعلم.

8- الحفاظ على الموارد وحسن استثمارها؛ فعندما فجّر الله تعالى تحت قدمي إسماعيل ـ عليه السلام ـ ماء زمزم عمدت هاجر عليها السلام إلى جمعها بكلتا يديها ، وهي تقول لها: “زمي زمي” أي اجتمعي ، ثمّ استثمرتها بمشروع خاص بها يدرّ عليها وعلى ولدها الربح الوفير.

كما كانت هاجر ـ عليها السلام ـ مثالاً للزوجة المحبّة المطيعة والأم الرؤوم الشفوق والمسلمة الواعية الحكيمة والمرأة الإدارية والقيادية الناجحة.

هذه بعض من ملامح شخصية هاجر ـ عليها السلام ـ كما صورتها كتب التفسير والسِيَر والأحاديث… نستذكرها في هذه الأيام المباركة عسى أن تكون معلَماً هادياً لغيرها من النساء ، ونموذجاً يُقاس عليه ويحتذى به

يوم داحس والغبراء

غير مصنف No Comments »

وكانت بين عبس وذبيان، وكانت الحرب بينهما سجالاً وانتهت بصلح، وداحس والغبراء: اسما فرسين لقيس بن زهير، وتشتمل هذه الحرب أيام المريقب وذي حساء واليعمرية والهباء وفروق وقطن .

سار قيس بن زهير بن جذيمة العبسي إلى المدينة ليتجهز لقتال بنى عامر، ويأخذ بثأر أبيه زهير بن جذيمة الذي قتله خالد بن جعفر الكلابي العامري، فأتى أحيحة بن الجلاح يشتري منه درعاً موصوفة، فقال له: لولا أن تذمني بنو عامر لوهبتها لك، ولكن اشترها بابن لبون. ففعل ذلك، وأخذ الدرع وكانت تسمى ذات الحواشي ووهبه أحيحة أدراعاً أخرى، وعاد إلى قومه، وقد فرغ من جهازه.

واجتاز بالربيع بن زياد العبسي، ودعاه إلى مساعدته على الأخذ بثأر أبيه، فأجابه إلى ذلك. ولما أراد فراقه نظر الربيع إلى عيبته وقال له: ما في حقبيبتك ؟ فقال: متاع عجيب، لو أبصرته لراعك. وأناخ راحلته، وأخرج الدرع من الحقيبة، فأبصرها الربيع فأعجبته، ولبسها فكانت في طوله، فمنعها من قيس ولم يعطه إياها، وترددت الرسل بينهما في ذلك، ولج قيس في طلبها، ولج الربيع في منعها.

فلما طالت الأيام على ذلك سير قيس أهله إلى مكة، وأقام ينتظر غرة الربيع، ثم إن الربيع سير إبله وأمواله إلى مرعى كثير الكلأ، وأمر أهله فظعنوا، وركب فرسه وسار إلى المنزل.

ولما بلغ الخبر قيساً سار إلى أهله وإخوته، فعارض ظعائن الربيع ، فوجد فيها أم الربيع فاطمة بنت الخرشب الأنمارية ، فاقتاد جملها ، يريد أن ير تهنها بالدرع حتى ترد إليه ، فقالت له : ما تريد يا قيس ؟ فقال : أذهب بكن إلى مكة ، فأبيعكن بها بدرعي ؟ فقالت : ما رأيت كاليوم فعل رجل ! أي قيس، ضل حلمك، أترجو أن تصطلح أنت وبنو زياد، وقد أخذت أمهم، فذهبت بها يميناً وشمالاً، فقال الناس في ذلك ما شاءوا، وحسبك من شر سماعه.

فعرف قيس ما قالت له، فخلى سبيلها، وأطرد الإبل، وسار بها إلى مكة، فباعها من عبد الله بن جدعان القرشي، واشترى بها خيلاً، وتبعه الربيع فلم يلحقه، فكان فيما اشترى من الخيل داحس والغبراء.

ثم إن قيس بن زهير أقام بمكة، فكان أهلها يفاخرونه - وكان فخوراً- ، فقال لهم: نحوا كعبتكم عنا وحرمكم، وهاتوا ما شئتم، فقال له عبد الله بن جدعان: إذا لم نفاخرك بالبيت المعمور ، والحرم الآمن فبم نفاخرك ؟ فمل قيس مفاخرتهم وعزم على الرحلة ، وسر ذلك قريشاً ، لأنهم قد كانوا كرهوا مفاخرته ،فقال لإخوته : ارحلوا بنا من عندهم أولاً وإلا تفاقم الشر بيننا وبينهم ، والحقوا ببني بدر بن فزارة ، فإنهم أكفاؤنا في الحسب ، وبنو عمنا في النسب ، وأشراف قومنا في الكرم ، ومن لا يستطيع الربيع أن يتناولنا معهم ، ثم لحق ببني بدر.

وأجاره حذيفة بن بدر، وأخوه حَمَل بن بدر، فأقام فيهم ، وكان معه أفراس له ولإخوته لم يكن في العرب مثلها ، وكان حذيفة يغدو ويروح إلى قيس ، فينظر إلى خيله ، فيحسده عليها ، ويكتم ذلك في نفسه.

وأقام قيس فيهم زماناً يكرمونه وإخوته، ولما علم بذلك الربيع بن زياد غضب ونقم منهم ذلك، ولكن بنى بدر لم يتغيروا عن جوار قيس، فغضب الربيع، وغضبت بنو زياد لغضبه.

ثم إن حذيفة كره قيساً، وأراد إخراجه عنهم فلم يجد حجة، وعزم قيس على العمرة، فقال لأصحابه: إني قد عزمت على العمرة، فإياكم أن تلابسوا حذيفة بشيء، واحتملوا كل ما يكون منه حتى أرجع، فإني قد عرفت الشر في وجهه، وليس يقدر على حاجته منكم إلا أن تراهنوه على الخيل ، وكان قيس ذا رأى لا يخطئ فيما يريده، ثم صار يريد مكة.

زار الورد العبسى حذيفة بن بدر فعرض عليه حذيفة خيله، فقال: ما أرى فيها جواداً مبِرّاً فقال له حذيفة: فعند من الجواد المبر ؟ فقال: عند قيس بن زهير، فقال له : هل لك أن تراهنني عليه ؟ قال : نعم ، قد فعلت. فراهنه على ذكر من خيله وأنثى. ثم إن ورداً العبسى أتى قيس بن زهير وقال: إني قد راهنت على فرسين من خيلك ذكر وأنثى، وأوجبت الرهان، فقال: ما أبالي من راهنت غير حذيفة، فقال: ما راهنت غيره ! فقال قيس: إنك ما علمت لأنكد !

ثم ركب قيس حتى أتى حذيفة فوقف عليه، فقال له حذيفة: ما غدا بك ؟ فقال: غدوت لأواضعك الرهان، فقال حذيفة: بل غدوت لتغلقه، فقال قيس: ما أردت ذلك، فأبى حذيفة إلا الرهان، فقال قيس: أخيرك ثلاث خلال، فإن بدأت واخترت قبلي، فلي خلتان ولك الأولى، وإن بدأت فاخترت قبلك، فلك خلتان ولي الأولى. قال حذيفة: فابدأ، قال قيس: الغاية من مائة غلوة – [ الغلوة: الرمية بالنشابة ]، قال حذيفة: فالمضمار أبعون ليلة، والمجرى من ذات الإصاد [ ذات الإصاد: ردهة بين أجبل في ديار عبس، والردهة: نقير في حجر يجتمع فيها الماء ]. ففعلا ووضعا السبق على يدي أحد بنى ثعلبة بن سعد.

ثم ضمروا الخيل، فلما فرغوا استقبل الذي ذرع الغاية بينهما من ذات الإصاد وهي ردهة وسط هضب القليب فانتهي الذرع إلى مكان ليس له اسم. فقادوا الخيل إلى الغابة وجعلوا السابق الذي يرد ذات الإصاد، وأجرى قيس داحساً والغبراء، وحذيفة الخطّار والحنفاء. وملئوا البركة ماء، وجعلوا السابق أول الخيل يكرع فيها. وأقام حذيفة رجلاً من بنى أسد في الطريق، وأمره أن يلقى داحساً في الطريق فإن جاء سابقاً ردوا وجهه عن الغابة.

ثم إن حذيفة بن بدر وقيس بن زهير أتيا المدى ينظران إلى الخيل كيف خروجها منه، فلما أرسلت عارضاها، فقال حذيفة: خدعتك يا قيس، فقال قيس: ترك الخداع من أجرى من مائة. ثم ركضا ساعة، فجعلت خيل حذيفة تسبق خيل قيس، فقال حذيفة: سبقت يا قيس. فقال قيس: جرى المَذَكّيات غلاب.

فلما أرسلت الخيل سبقها داحس سبقاً بيناً والناس ينظرون، فلما هبط داحس في الوادي عارضه الأسدي فلطم وجهه فألقاه في الماء، فكاد يغرق هو وراكبه ولم يخرج إلا وقد فاتته الخيل. وأما راكب الغبراء فإنه خالف طريق داحس لما رآه قد أبطأ، ثم عاد إلى الطريق، واجتمع مع فرسي حذيفة ، ثم سقطت الحنفاء وبقي الخطار والغبراء.

ثم إن الغبراء جاءت سابقة، وتبعها الخطار، ثم الحنفاء، ثم جاء داحس بعد ذلك والغلام يسير به على رسله، وأخبر الغلام قيساً بما صنع بفرسه. فأنكر حذيفة ذلك، وادعى السبق ظلماً، وقال: جاء فرساي متتاليين.

ومضى قيس وأصحابه حتى نظروا إلى القوم الذين ضربوا داحساً، وجاءه الأسدي نادماً على ضرب داحس، واعترف لقيس بما صنع، وبما أمره به حذيفة. فرجع قيس وأصحابه إلى حذيفة وأصحابه وقال: يا قوم إنه لا يأتي قوم إلى قومهم شراً من الظلم، فأعطونا حقنا، فأبت بنو فزارة أن يعطوهم شيئاً، وكان الخطر[ أي السباق يتراهن عليه ] عشرين من الإبل، فقالت بنو عبس: أعطونا بعض سبقنا فأبوا، فقالوا: أعطونا جزوراً ننحرها ونطعمها أهل الماء، فإن نكره القالة في العرب، فقال رجل من فزارة: مائة جزور وجزور واحدة سواء، والله ما كنا لنقر لكم بالسبق علينا، ولم نُسبق.

فقام رجل من بنى مازن بن فزارة فقال: يا قوم، إن قيساً كان كارهاً لأول هذا الرهان وقد أحسن في آخره ، وإن الظلم لا ينتهي إلا إلى شر ، فأعطوه جزوراً من نعمكم ، فأبوا ، فقام إلى جزور من إبله ، فعقلها ليعطيها قيساً ويرضيه ، فقام ابنه فقال : إنك لكثير الخطأ ، أتريد أن تخالف قومك، وتلحق بهم خزية بما ليس عليهم ، وأطلق الغلاء عقالها ، فلحقت بالنعم. فلما رأى ذلك قيس بن زهير احتمل عنهم ومن معه من بنى عبس.

ثم إن حذيفة لج في ظلمه، وأرسل إلى قيس ابنه ندبة يطالبه بالسبق، فلم يصادفه، فقالت له امرأته: ما أحب أنك صادفت قيساً. فرجع إلى أبيه فأخبره بما قالت. فقال: والله لتعودن إليه. ورجع قيس فأخبرته امرأته الخبر، فأخذت قيس زفرات. ولم ينشب ندبة أن رجع إلى قيس، فقال: يقول أبي: أعطني سبقي ، فتناول قيس الرمح فطعنه فدق صلبه ، وعادت فرسه إلى أبيه عاثرة ، ونادى قيس : يا بنى عبس ، الرحيل ! فرحلوا كلهم.

ولما أتت الفرس حذيفة علم أن ولده قتل، فصاح في الناس، وركب فيمن معه، وأتى منازل بنى عبس فرآها خالية، ورأى ابنه قتيلاً، فنزل إليه، وقبله بين عينيه ودفنوه. واجتمع الناس، فاحتملوا دية ندبة مائة عشراء، فقبضها حذيفة وسكن الناس.

وكان مالك بن زهير أخو قيس متزوجاً في فزارة وهو نازل فيهم، فأرسل إليه قيس: إني قد قتلت ندبة بن حذيفة ورحلت، فالحق بنا وإلا قتلت، فلم يجبه وقال: إنما ذنب قيس عليه.

ثم إن قيساً أرسل إلى الربيع بن زياد يطلب منه العود وإليه والمقام معه، إذ هم عشيرة وأهل، فلم يجبه ولم يمنعه، وظل مفكراً في ذلك.

وعاد حذيفة بن بدر فدس لمالك بن زهير فرساناً على أفراس من مسان خيله وقال: لا تنتظروا مالكاً إن وجدتموه أن تقتلوه، فانطلق القوم وقتلوه.

ولما بلغ عبساً مقتل مالك بن زهير جزعت عليه، وأتت بنو جذيمة حذيفة فقال بنو مالك بن زهير لمالك بن حذيفة: ردوا علينا ما لنا. فأشار سنان بن أبي حارثة على حذيفة ألا يرد أولادها معها، وأن يرد المائة بأعيانها، فقال حذيفة: أرد الإبل بأعيانها ولا أرد النسل، فأبوا أن يقبلوا ذلك.

وعلم الربيع بن زياد بمقتل مالك بن زهير، فجزع عليه، وأرسل إلى قيس عيناً بأتيه بالخبر، فرجع العين إلى الربيع فأخبره بما قال قيس، فبكى الربيع على مالك.

ولما علم قيس بجزع الربيع ركب هو وأهله، وقصدوا الربيع بن زياد، وهو يصلح سلاحه، فنزل إليه قيس، وقام الربيع فاعتنقا وبكيا، وأظهرا الجزع لمصاب مالك، ولقي القوم بعضهم بعضاً فنزلوا، فقال قيس للربيع:إنه لم يهرب منك من لجأ إليك ، ولم يستغن عنك من استعان بك ، وقد كان لك شر يومي ، فليكن لي خير يوميك ، وإنما أنا بقومي وقومي بي ، وقد أصاب القوم مالكاً ، ولست أهم بسوء ، لأني إن حاربت بنى بدر نصرتهم بنو ذيبان ، وإن حاربتني خذلتني بنو عبس ، إلا أن تجمعهم عليّ ، وأنا والقوم في الدماء سواء ، قتلت ابنهم وقتلوا أخي ، فإن نصرتني طمعت فيهم ، وإن خذلتني طمعوا فيّ.

فقال الربيع: يا قيس، إنه لا ينفعني أن أرى لك من الفضل مالا أراه لي ، ولا ينفعك أن ترى لي مالا أراه لك ، وأنت ظالم ومظلوم ، ظلموك في جوادك ، وظلمتهم في دمائهم ، وقتلوا أخاك بابنهم ، فإن يبؤ الدم بالدم ، فعسى أن تلقح الحرب.

وبعث قيس إلى أهله وأصحابه، فجاءوا ونزلوا مع الربيع، وبلغ حذيفة أن الربيع وقيسًا اتفقا، فشق ذلك عليه واستعد للبلاء.

ثم تلاقت جموع بنى ذيبان وعبس واقتتلوا قتالا شديداً، وكانت الشوكة في ذيبان، وقتل منهم عوف بن بدر، وقتل عنترة ضمضم أبو الحصين المري، والحارث بن بدر، وأسر الربيع حذيفة بن بدر، وكان حر بن الحارث العبسى قد نذر إن قدر على حذيفة أن يضربه بالسيف ، وله سيف قاطع يسمى الأصرم ، فأراد ضربه بالسيف لما أسر وفاء بنذره ، فنهوه عن قتله ، وحذروه عاقبة ذلك ، فأبى إلا ضربه ، فوضعوا عليه الرجال ، فضربه فلم يصنع السيف شيئاً ، وبقى حذيفة أسيراً.

فاجتمعت غطفان وسعوا في الصلح، واصطلحوا على أن يهدروا دم بدر بن حذيفة بدم مالك بن زهير، ويعقلوا عوف بن بدر [ أي يؤدوا ديته ]، ويعطوا حذيفة عن ضربته التي ضربه حر مائتين من الإبل، وأن يجعلوها عشاراً كلها وأربعة أعبد، وأهدر حذيفة دماء من قُتِل من قومه ذيبان في الوقعة، وأطلق من الأسر.

فلما رجع إلى قومه ندم على ذلك، فساءت مقالته في بنى عبس، وركب قيس بن زهير وعمارة بن زياد فمضيا إلى حذيفة وتحدثا معه، فأجابهما إلى الاتفاق، وأن يرد عليهما الإبل التي أخذ منهما – وكانت توالدت عنده – وبينما هم في ذلك إذ جاءهم سنان بن أبي حارثة المري ، فقبح رأي حذيفة في الصلح ، وقال : إن كنت لا بد فاعلاً فأعطهم إبلا عجافاً مكان إبلهم ، واحبس أولادها ، فوافق ذلك رأى حذيفة ، وأبى قيس وعمارة ذلك.

ثم إن مالك بن بدر- أخو حذيفة - خرج يطلب إبلاً له ، فرماه جندب أحد بنى رواحة بسهم فقتله ، ومن ثم أخذ الشر يعظم بين عبس – ويرأسهم الربيع بن ذبيان - وذيبان – ويرأسهم حذيفة بن بدر- ، وهزمت بنوعبس واتبعتهم بنو ذيبان.

فأشار قيس على الربيع بن زياد أن يماكرهم، وخاف إن قاتلوهم ألا يقوموا لهم، وقال: إنهم ليسوا في كل حين يجتمعون، وحذيفة لا يستنفر أحداً لاقتداره وغلوه، ولكن نعطيهم رهائن من أبنائنا فندفع حدهم عنا، فإنهم لن يقتلوا الولدان ولن يصلوا إلى ذلك منهم مع الذين نضعهم على أيديهم، وإن هم قتلوا الصبيان فهو أهون من قتل الآباء، وكان رأي الربيع مناجزتهم فقال: يا قيس، أملأ جمعهم صدرك ؟

وقال قيس: يا بنى ذيبان، خذوا منا رهائن إلى أن تنظروا، فقد ادعيتم ما تعلم وما لا نعلم ، ودعونا حتى نتبين دعواكم ، ولا تعجلوا إلى الحرب ، فليس كل كثير غالباً ، وضعوا الرهائن عند من ترضون به ونرضاه ، فقبلوا ذلك ، وتراضوا أن تكون الرهائن عند سبيع بن عمرو ( من بنى ثعلبة بن زيد بن ذيبان) ، فمات سبيع وهم عنده ، فلما حضرته الوفاة قال لا بنه مالك : إن عندك مكرمة لا تبيد إن أنت احتفظت بهؤلاء الأغيلمة ، وكأني بك لو قد مت أتاك حذيفة خالك ، فعصر عينيه وقال : هلك سيدنا ، ثم خدعك عنهم حتى تدفعهم إليه ، فقتلهم ، فلا شرف بعدها ، فإن خفت ذلك فاذهب بهم إلى قومهم.

فلما ثقل سبيع جعل حذيفة يبكى ويقول: هلك سيدنا، فوقع ذلك في قلب مالك، فلما هلك سبيع أطاف حذيفة بابنه مالك فأعظمه، ثم قال له: يا مالك، إني خالك، وإني أسن منك، فادفع إليّ هؤلاء الصبيان ليكونوا عندي إلى أن ننظر في أمرنا فإنه قبيح أن تملك شيئاً، ثم لم يزل به حتى دفعهم إليه باليعمرية.

وأحضر أهل الذين قتلوا فجعل كل يوم يبرز غلاماً فينصبه غرضاً ويرمى بالنبل ثم يقول: ناد أباك، فينادي أباه، حتى يمزقه النبل، ويقول لواقد بن جندب: ناد أباك. فجعل ينادى يا عماه - خلافاً عليهم – ويكره أن يأبس – الأبس : القهر والحمل على المكروه- أباه بذلك ، وقال لابن جنيدب بن عمرو بن عبدالأسلع : ناد جنيبة – وهو لقب أبيه - ، فجعل ينادي : يا عمراه ! باسم أبيه حتى قتل، وقتل أيضاً عتبة بن شهاب بن قيس بن زهير. و لما بلغ ذلك بني عبس أخذوا ما كانوا جمعوا من الديات ، فحملوا عليه الرجال واشتروا السلاح.

ثم خرج قيس في جماعة ، فلقوا ابناً لحذيفة ، ومعه فوارس من ذبيان فقتلوهم ، فجمع حذيفة قومه وسار إلى عبس وهو على ماء يقال له عراعر ، فاقتتلوا وكان الظفر لذيبان ، ورجعت سالمة.

ثم جد حذيفة في الحرب ، وكرهها أخوه حمل بن حذيفة ، وندم على ما كان ، وقال لأخيه في الصلح فلم يجب إلى ذلك ، وجمع الجموع من أسد وذيبان وسائر بطون غطفان وسار نحو بني عبس.

ولما بلغ بني عبس أنهم قد ساروا إليهم تشاوروا بينهم، فقال قيس: أطيعوني فوالله لئن لم تفعلوا لأتكئن على سيفي حتى يخرج من ظهري. قالوا: فإنا نطيعك. فأمرهم فسرحوا السوام والضعاف بليل ، وهو يريدون أن يظعنوا من منزلهم ذلك ، ثم ارتحلوا في الصبح وقد مضى سوامهم وضعافهم.

فلما أصبحوا طلعت عليهم الخيل، فقال قيس: خذوا غير طريق المال – أي غير طريق الإبل-، فإنه لا حاجة للقوم أن يقعوا في شوكتكم، ولا يريدون بكم في أنفسكم شراً من ذهاب أموالكم، فأخذوا غير طريق المال. ولما رأى حذيفة الأثر قال: أبعدهم الله ! وما خيرهم بعد ذهاب أموالهم ؟ ثم اتبع المال وسارت ظعن بنى عبس والمقاتلة من ورائهم، وتبع حذيفة وبنو ذيبان المال، فلما أدركوه ردّوا أوله على آخره، ولم يفلت منه شيء، وجعل الرجل يطرد ما قدر عليه من الإبل، فيذهب بها، ثم تفرقوا واشتد الحر.

فقال قيس بن زهير: يا قوم ، إن القوم قد فرق بينهم المغنم ، فاعطفوا الخيل في آثارهم ، فلم تشعر بنو ذيبان إلا والخيل دوائس – أي يتبع بعضها بعضاً - ، فلم يقاتلهم كبير أحد ، إذ أن همة الرجال من بني ذيبان كانت أن يحرر غنيمته ويمضي بها ، ووضعت بنو عبس فيهم السلاح ، وقتلوا منهم مالك بن سبيع التغلبي سيد غطفان وكثيراً غيره حتى ناشدتهم بنو ذيبان البقية ، وانهزمت ذيبان وحذيفة معهم.

ولم يكن لعبس هم غير حذيفة، فأرسلوا خيلهم مجتهدين في أثره، ثم تبعه قيس بن زهير والربيع بن زياد، وقرواش بن عمرو، وريان بن الأسلع، وشداد بن معاوية وغيرهم، وقال لهم قيس: كأني بالقوم وردوا جفر الهباء ونزلوا فيه، وأنا أعلم أن حذيفة بن بدر إذا احتدمت الوديقة مستنقع في الماء – الوديقة: شدة الحر-.

وكان حذيفة قد استرخى حزام فرسه، فنزل عنه ووضع رجله على حجر مخافة أن يقتص أثره، وعرفوا فرسه فاتبعوه، ومضى حتى استغاث بجفر الهباء وقد اشتد الحر، فرمى بنفسه ومعه حمل بن بدر وجماعة من أصحابه، وقد نزعوا سروجهم وطرحوا سلاحهم، ووقعوا في الماء، وتمعكت دوابهم – أي تمرغت -.

ولما اقترب منهم قيس بن زهير وأصحابه أبصرهم حمل بن بدر فقال لهم: من أبغض الناس أن يقف على رؤوسكم ؟ فقالوا : قيس بن زهير والربيع بن زياد، فقال : هذا قيس بن زهير قد أتاكم ، ولم ينقض كلامه حتى وقف قيس وأصحابه وحالوا بينهم وبين الخيل ، وحمل جنيدب على خيلهم فاطّردها ، واقتحم عمرو بن الأسلع وشداد عليهم في الجند ، وهم ينادون : لبيكم لبيكم ، وقال لهم قيس : كيف رأيتم عاقبة البغي ؟ فقال حذيفة: يا بنى عبس: فأين العقول والأحلام ؟ ناشدتك الله والرحم يا قيس: فضربه أخوه حمل بين كتفيه وقال: (اتق مأثور الكلام).

ثم قال حذيفة لقيس: بنو مالك بمالك، وبنو حمل بذي الصبية ونرد السبق، قال قيس: لبيكم لبيكم، قال حذيفة: لئن قتلتني لا تصلح غطفان بعدها أبداً. فقال قيس: أبعدهم الله ولا أصلحها. ثم إن قرواش بن هني جاء من خلف حذيفة، فقال له بعض أصحابه: احذروا قرواشاً وكان قد رباه، فظن أنه سيشكر ذلك له، قال: خلوا بين قرواش وظهري، فنزع له قرواش بمعلبه – وهو نصل طويل عريض - فقصم به صلبه ، وابتدره الحارث بن زهير وعمرو بن الأسلع فضرباه بسيفهما حتى أجهزا عليه.

وقتل الحارث بن زهير حمل بن بدر، واستبقوا حصن بن حذيفة لصباه

يوم بعاث

غير مصنف No Comments »

كانت الأوس قد استعانت ببني قريظة والنضير في حروبهم التي كانت بينهم ، وبلغ ذلك الخزرج ، فبعثت إليهم : إن الأوس فيما بلغنا قد استعانت بكم علينا ، ولن يعجزنا أن نستعين بأعدادكم وأكثر منكم من العرب ، فإن ظفرنا بكم فذاك ما تكرهون ، وإن ظفرتم لم ننم عن الطلب أبداً ، فتصيروا إلى ما تكرهون ، ويشغلكم من شأننا ما أنتم الآن منه خالون ، وأسلم لكم من ذلك أن تدعونا وتخلوا بيننا وبين إخواننا.

فلما سمعوا ذلك علموا أنه الحق ، فأرسلوا إلى الخزرج : إنه قد كان الذي بلغكم ، والتمست الأوس نصرنا ، وما كنا لننصرهم عليكم أبداً ، فقالت لهم الخزرج : فإن كان ذلك كذلك فابعثوا إلينا برهائن تكون في أيدينا ، فبعثوا إليهم بأربعين غلاماً منهم ، ففرقهم الخزرج في دورهم ، ومكثوا بذلك مدة.

ثم إن عمرو بن النعمان البياضي قال لقومه بياضة : إن أباكم أنزلكم منزل سوء بين سبخة ومفازة ، وإنه والله لا يمس رأسي غسل حتى أنزلكم منازل بني قريظة والنضير على عذب الماء وكريم النخل ، ثم راسلهم : إما أن تخلوا بيننا وبين دياركم نسكنها ، وإما أن نقتل رهنكم ، فهموا أن يخرجوا من ديارهم ، فقال لهم كعب بن أسد القرظي : يا قوم ، امنعوا دياركم وخلوه يقتل الرهن ، والله ما هي إلا ليلة يصيب فيها أحدكم امرأته حتى يولد له غلام مثل أحد الرهن ، فاجتمع رأيهم على ذلك ، فأرسلوا إلى عمرو بألا نسلم لكم دورنا ، وانظروا الذي عاهدتمونا عليه في رهننا فقوموا لنا به ، فعدا عمرو بن النعمان البياضي على رهنهم هو ومن أطاعه من الخزرج فقتلوهم ، وأبى عبد الله بن أبي وقال : هذا عقوق ومأتم وبغي ، فلست معيناً عليه ، ولا أحد من قومي أطاعني ، وخلى عمن عنده من الرهن.

فناوشت الأوس الخزرج يوم قتل الرهن شيئاً من قتال غير كبير ، واجتمعت قريظة والنضير إلى كعب بن أسد القرظي ، ثم تآمروا أن يعينوا الأوس على الخزرج ، فبعثت إلى الأوس بذلك ، ثم أجمعوا عليه ، على أن ينزل كل أهل بيت من النبيت- وهو حي في الأوس- على بيت من بنى قريظة ، فنزلوا معهم في دورهم. ثم أرسلوا إلى سائر الأوس في الحرب والقيام معهم على الخزرج ، فأجابوهم إلى ذلك.

فاجتمع الملأ منهم ، واستحكم أمرهم ، وجدوا في حربهم ، فلما سمعت الخزرج اجتمعوا حتى جاءوا عبد الله بن أبي ، وقالوا له : قد كان الذي بلغكم من أمر الأوس وأمر قريظة والنضير واجتماعهم على حربنا ، وإنا نرى أن نقاتلهم ، فإن هزمناهم لم يحرز أحد منهم معقله ولا ملجأه حتى لا يبقى منهم أحد.

فلما فرغوا من مقالهم قال لهم عبد الله : إن هذا بغي منكم على قومكم وعقوق ، والله ما أحب أن رِجلاً – أي جماعة - من جراد ألفيناهم ، وقد بلغني أنهم يقولون هؤلاء قومنا منعونا الحياة أفيمنعوننا الموت ؟ والله إني أرى قوماً لا ينهون أو يهلكوا عامتهم ، وإني لأخاف إن قاتلوكم أن ينصروا عليكم لبغيكم عليهم ، فقاتلوا قومكم كما كنتم تقاتلونهم ، فإذا ولوا فخلوا عنهم ، فإذا هزموكم فدخلتم أدنى البيوت خلوا عنكم ، فقال له عمرو بن النعمان البياضي : انتفخ والله سحرك - وهي عبارة تقال للجبان، أي ملأ الخوف قلبه -يا أبا الحارث حين بلغك حلف الأوس وقريظة والنضير. فقال عبد الله : والله لا حضرتكم أبداً ، ولا أحد أطاعني أبداً ، ولكأني أنظر إليك قتيلاً تحملك أربعة في عباء.

وتابع عبد الله رجال من الخزرج ، واجتمع كلام الخزرج على أن رأسوا عليهم عمرو بن النعمان البياضي ، وولوه أمر حربهم ، ولبث الأوس والخزرج أربعين ليلة يتصنعون للحرب ، ويجمع بعضهم لبعض ، ويرسلون إلى حلفائهم من قبائل العرب ، فأرسلت الخزرج إلى جهينة وأشجع ، وأرسلت الأوس إلى مزينة ، وذهب حضير الكتائب الأشهلى إلى أبي قيس الأسلت ، فأمره أن يجمع له أوس الله ، فجمعهم له أبو قيس ، فقام حضير ، فاعتمد على قوسه ، وعليه نمرة تشف عن عورته ، فحرضهم ، وأمرهم بالجد في حربهم ، وذكر ما صنعت بهم الخزرج من إخراج النبيت ، وإذلال من تخلف من سائر الأوس في كلام كثير ، وجعل كلما ذكر ما صنعت بهم الخزرج يستشيط ويحمى ، فأجابته أوس الله بالذي يحب من النصرة والمؤازرة والجد في الحرب.

ثم اجتمعت الأوس مرة أخرى ، فأجالوا الرأي ، فقالوا : إن ظفرنا بالخروج لم نبق منهم أحداً ، ولم نقاتلهم كما كنا نقاتلهم. فقال حضير : يا معشر الأوس ، ما سميتم الأوس إلا لأنكم تؤسون الأمور الواسعة – أي تعالجون الأمور- .

ثم طرحوا بين أيديهم تمراً ، وجعلوا يأكلون، وحضير الكتائب جالس وعليه بردة له قد اشتمل بها الصماء ، وما يأكل معهم، ولا يدنو إلى التمر غصباً وحنقاً ، فقال : يا قوم ، اعقدوا لأبي قيس بن الأسلت ، فقال لهم أبو قيس: لا أقبل ذلك ، فإني لم أرأس على قوم في حرب قط إلا هزموا وتشاءموا برياستي.

ثم جاءتهم أوس مناة ، وقدمت مزينة ، فانطلق حضير وأبو عامر الراهب إلى أبي قيس ، فقالوا : جاءتنا مزينة واجتمع إلينا من أهل يثرب مالا قبل للخزرج به ، فما الرأي إن نحن ظهرنا عليهم : الإنجاز أم البقية ؟ فقال أبو قيس: اقتلوهم حتى يقولوا : بزابز – وهي كلمة كانوا يقولونها إذا غلبوا- . ثم اختلفوا في ذلك ، فأقسم حضير ألا يشرب الخمر ، أو يظهر ويهدم مزاحماً : أطم عبد الله بن أبي . ثم لبثوا شهرين يعدون ويستعدون.

وكان اللقاء ببعاث ، وحشد الحيان فلم يتخلف عنهم إلا من لا ذكر له ، ولم يكونوا حشدوا قبل ذلك في يوم التقوا فيه. فلما رأت الأوس الخزرج أعظموهم وقالوا لحضير : يا أبا أسيد ، لو حاجزت القوم ، وبعثت إلى من تخلف من حلفائك من مزينة ؟ فطرح قوساً كانت في يده ثم قال : أنتظر مزينة، وقد نظر إليّ القوم ونظرت إليهم ! الموت قبل ذلك. واقتتلوا قتالاً شديداً ، فانهزمت الأوس حين وجدوا مس السلاح ، فولوا مصعدين في حرة قورى – موضع في نواحي المدينة - ، فنزل حضير ، وصاحت بهم الخزرج: أين الفرار ، فلما سمع حضير طعن بسنان رمحه فخذه ، ونزل وصاح: وعقراه والله لا أريم حتى أقتل فإن شئتم يا معشر الأوس أن تسلموني فافعلوا ، فتعطفت عليه الأوس ، وقام وعلى رأسه غلامان من بني عبدالأشهل ، وهما يومئذ معرسان ذوا بطش ، فقاتلا حتى قتلا ، وأقبل سهم حتى أصاب عمرو بن النعمان البياضي رأس الخزرج فقتله ، لا يدرى من رمى به.

ثم انهزمت الخزرج ، ووضعت الأوس فيهم السلاح ، وصاح صائح : يا معشر الأوس ، أسجحوا ولا تهلكوا إخوتكم، فتناهت الأوس وكفت عن سلبهم بعد إثخان فيهم ، وسلبهم قريظة والنضير.

وحملت الأوس حضيراً من الجراح التي به ، وهم يرتجون حوله يقولون :
كتيبة زينها مولاها …………………………………………لا كهلها هد ولا فتاها
وجعلت الأوس تحرق على الخزرج نخلها ودورها. ثم خرج سعد بن معاذ الأشهلي ، حتى وقف على باب بني سلمة وأجارهم وأموالهم جزاء لهم بيوم الرعل – الرعل مال لعبد الأشهل ، ويوم الرعل يوم كانت فيه بنو سلمة أغارت على مال لبني عبد الأشهل وقاتلوهم ، فجرح سعد بن معاذ الأشهلي جراحة شديدة ، فاحتمله بنو سلمة إلى عمرو بن الجموح الخزرجي فأجاره وأخاه وأجار الرعل من الحريق وقطع الأشجار، فلما كان يوم بعاث جازاهم سعد -.

وأقسم كعب بن أسد القرظي: ليذلن عبد الله بن أبي ، وليحلقن رأسه تحت حصنه مزاحم. فناداه كعب : انزل يا عدو الله ، فقال عبدالله : أنشدك الله ! ما خذلت عنكم. فسأل عما قال ، فوجده حقاً ، فرجع عنه.

وخرج حضير الكتائب وأبو عامر الراهب حتى أتيا أبا القيس بن الأسلت بعد الهزيمة ، فقال له حضير : يا أبا قيس ، إن رأيت أن نأتي الخزرج قصراً قصراً وداراً داراً ، نقتل ونهدم حتى لا